يتمحور مضمون هذا الكتاب حول اشكالية التأويل الفلسفي الذي أخذ فيه الفهم بعدا فلسفيا أنطولوجيا، والذي يكون مرتبطا ارتباطا وثيقا بما في المفسر ومستقبله، بمعنى أنه محكوم بزمانيته، لان نقطة الانطلاق الجوهرية لعملية التأويل هي كون الهرمينوطيقا نشاطا كليا عاما. يعتبر غادامير أن مهمة الهرمينوطيقا هي الوصول الى لغة مشتركة، بمعنى الوصول الى اتفاق، ومن ثم الى فهم، حتى يحصل الاتفاق بين الموجودات العاقلة، انه من الممكن أن يحقق قدرا من الموضوعية بفعل فاعلية ووظيفة الهرمينوطيقا طالما أنها تسعى الى تحقيق نوع من الفهم أو الاتفاق، لكن الموضوعية الناجمة عن وظيفة الهرمينوطيقا هي تلك التي لا تلغي تماما الدور الفعال للمفسر في عملية الفهم من خلال التساؤلات والتوقعات التي يطرحها. من جانب آخر يتطرق البحث الى العلاقة بين التأويل والحقيقة، وما الذي يميز تصور غادامير للحقيقة والتأويل عن غيره من الهيرمينوطيقيين من أمثال شلايرماخر ودلتاي وريكور؟ وهنا يبين الباحث أن غادامير ينطلق في تأويليته من نزع الصفة المطلقة عن المثل الاعلى للمنهج، فطبيعة الفهم تشكل السؤال المركزي للتأويلية من منظور غادامير، وما يجعل هذا الفهم ممكنا هو اللغة، باعتبارها وسيطا للتواصل بين البشر... حيث بين غادامير أن الفهم ليس فهما لسلوكيات الذات الممكنة بل هو نمط وجود الدازازين نفسه، أنه يشمل مجمل تجربته للعالم. كما يتناول البحث أيضا علاقة التراث بالتأويل من وجهة نظر غادامير وهي أن قراءة التراث تستدعي تشكيل وعي تأويلي، أساسه الحس التاريخي والنقدي في معالجة موضوعات التراث، ومن ثم فحص أصوله وفهم تركيبته بمعنى تطبيق ..الدلالات التي تكشف عنها حقائق التاريخ والتراث على اللحظة الراهنة أما البعد الثالث الذي يتعرض له البحث فهو البعد الفلسفي للتأويل وعلاقته بالعلوم الانسانية، وفيه أوضح الباحث أن التأويلية عمل ابستمولوجي له مجاله وأسسه وأهدافه. تأتي أهمية مشروع الهرمينوطيقا في تصور غادامير من كونه يهدف الى تأسيس فلسفة تأويلية عالمية، تعمل على نشر أدبيات الحوار بين الثقافات والحضارات، من خلال الفهم كممارسة تأويلية، وجعل الانسان يلتفت الى ذاته والى العالم من حوله، رغبة في الفهم... ففي التأويلية ""يدرك " الانسان أن التجربة الحقيقية هي ما يصير الانسان من خلاله واعيا بتناهيه، فيكشف فيها حدود قوة عقله المخطط، وحدود هذا العقل الذاتية، فالاعتراف بما موجود لا يعني فقط ادراك ما موجود في هذه اللحظة، بل يعني أن نبصر الدرجة المحدودة التي يمكن أن يظل المستقبل فيها منفتحا لتوقعاتنا وخططنا، ويعني على نحو أساسي أعمق، أن نبصر بحقيقة أن كل ما تتوقعه الكائنات ".""المتناهية وتخطط اليه متناه ومحدود