مكتبة جرير

ذيل الثعبان (كتاب إلكتروني)

29.99 ر.س.

ذيل الثعبان (كتاب إلكتروني)

كتاب الكتروني
29.99 ر.س.
وحدة البيع: Each
المؤلف: عبد السميع بنصابر
تصنيف الكتاب: كتب إلكترونية, القصة والرواية, وصل حديثاً
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون
عدد الصفحات: 254
الصيغة: كتاب الكتروني
قسط شهري يصل إلى 10  ر.س. / شهر بدون رسوم لمدة 3 شهر. اقرأ المزيد

ملاحظة: هذا الكتاب إلكتروني وسيتم إضافته إلى حسابك في تطبيق قارئ جرير.

    حول المنتج

    كانت الطائرة قد علت الفضاء، فاردة جناحيها في رحاب السماء. وبدت السحب من فوق بساطا من الفرو الناعم يحجب المحيط بأكمله. كانت قد مضت ساعات على إقلاعنا من مطار واشنطن. والدّموع التي كنتُ أراها تسيل على مهل، لم تكن دموعي. فقد كنتُ أتلمّسُ خدّي الجافّ، دون أن أتحسّس غير تجاعيده القديمة. لم تكن تلك سوى دموع النافذة المضبّبة، حيث تنتهي أنفاسي المشحونة بالذّكرى، فتتراءى بواخا رماديا يحجب عني زرقة السماء. ماذا تركتُ خلفي حتى أتحسّر؟ الأصدقاء؟ حيّ «بالبو»؟.. لا شيء! أفتحُ جفوني مغالبا رغبة جامحة في النّعاس، وكلّما واجهت الطّائرةُ مطب رياح، اهتزت المقاعد بالركّاب اهتزازا، أتمنّى أن أهويَ إثره، ويهويَ معي كلّ شيء. هل كنتُ صادقا في ذلك حقا؟ لا بأس، فقد كنتُ أحدّث نفسي في كل حال، ولم يكن بإمكان أحد من المسافرين التّسلل إلى جمجمتي تلك اللحظة. وحتّى إذا ما رغب أحدهم في تزجية الوقت في لعبة التكهن المعروفة، فلن يتمكن من أن يرى في كتلة البؤس هاته، غير سائح خطر في باله فجأة، أن يزور شمال إفريقيا، كما هي عادة المسنّين من أقرانه. كانت الطائرة تعبر سماء المحيط لحظتها، حين طاف بذهني صوت «شارلي» مصحوبا بهديرها الخافت وهو يؤكد مُطمئنا: (عندما تبلغ قرية «بويفيغر»، سيكون بإمكانك زيارة الضريح متى شئت!) (والبوالي؟) (لا خوف من البُوالي! أسْكِرهُ، وسوف ترتاح منه!) هكذا، افترضتُ من حديث صديقي أن البوالي هذا رجل تافه، من الصّنف المأفون الذي لا يحفظُ عنهُ الزمنُ بطولة تُذكر، أو طبعا غريبا يؤثر. لذلك لم أرهق شارلي بالسؤال عنه. ولو كان الأمر يستحق فعلا، لكان هو نفسهُ بادرني بالإشارة إلى ذلك. ليس صديقي هذا ممن يتوقّفون عند الظواهر الصغيرة. أبدا! لقد دأب على رؤية الأشياء من منظار تقني محض. ولطالما سمعتهُ يتساءلُ كيف تُطاوعُ الأنفسُ العديد من الأدباء في تحبير قصص وروايات كاملة تصف شخوصا تافهة لا طائل منها. لقد درسَ الرجل علم الآثار بجامعة شيكاغو لسنوات. ورغم أن تخصصا كهذا قد يفسح بعض المجال لإعمال الاجتهاد، إلا أنهُ عادة ما كان يبدو صارما ومنتصرا للمنطق القاسي والاقتضاب الواضح في أحاديثه. وكثيرا ما جادلتهُ في موقفه هذا، مُجابها إياه بما تتطلّبهُ شعبتهُ من تركيز وتوقف عند الأشياء الصغيرة، لاستبيان التاريخ وإضاءة الجوانب المعتمة منه. لكن ما عسايَ أفعل؟ إنك لتشعُرُ أنهُ يُحاصرُك حتى قبل أن ينبس بكلمة. بداية بهيأته القوية التي تقطع أي احتمال للسيطرة عليه، ثم الصوت المصهرج الذي يلعلع في الفضاء كالقذائف.. حتى إنني لا أقوى على تخيّل ذاك الصوت المزعج وأنا مُسترخ الآن! لذلك كنتُ ألوذ في حضرته بالصمت، وأنا أتابع كلماته المندفعة من تحت شاربه الفضي الكثيف. مددت مقعدي إلى الخلف، مستأنسا بموسيقى هادئة، كانت قد انبعثت لتوها من أحد الهواتف، وأنا أعيد في ذهني تفاصيل المهمة التي كلفني بها شارلي. فقد ارتأى صديقي الأخرق قبل أيام، أن يقذف بي إلى قرية مغربية مغمورة دون أن يُكلف نفسهُ عناء بسط عوالم المنطقة بالدقة التي يستدعيها بحث تاريخي. اكتفى بالأسماء فقط، ثم زوّدني ببعض التصاريح والأذونات التي تسمح لي بالدخول إلى المواقع، والتي كان قد حصل عليْها من السُلُطات المغربية قبل شهرين تقريبا. لكن اقتضابه هذه المرة سيُكلّفني الكثير، لأنّ البوالي هو دليلي المفترض في قرية «بويفيغر» المغربية. والأدهى من كلّ ذلك أنني مضطرٌ لاتخاذ الرجُل مرافقا ملازما لي طيلة إقامتي في القرية، حيث يقبع الضريح – موضوع الدّراسة والبحث. هل ثمّة حمقٌ أكثر من أن يعتقد أنني سأقضي أيامي هناك، دون أن يخلف المكان لديّ أي تساؤلات رغبةً في المعرفة والاكتشاف؟
    عرض أكثر

    مراجعات العملاء