كِنَّنا نَعْرِفُ مِقْدَارَ «الفِتْنَةِ» بالبِنْيَوِيَّةِ، حِينَ نَظْهَرُ عَلَى شيْءٍ كبيرٍ مِّنْ أَثَرِها، في آخِرِ مَوْضِعٍ يَسْتَشْرِفُهُ القارِئُ المُثَقَّفُ، وأَغْرَبُ ما في الأمرِ وأَطْرَفُهُ أنْ تَشْغَلَ «البِنْيَوِيَّةُ» وأَخَوَاتُها عالِمًا جليلًا أَنْفَقَ عُمْرَهُ في تَتَبُّعِ الْمَسَالِكِ والْبُلْدَانِ، وعَرَفَهُ الخاصَّةُ والعامَّةُ حُجَّةً في التَّاريخِ والأَنْسَابِ والمَنازِلِ والدِّيَارِ، لَكِنَّ «فِتْنَةَ القَوْلِ بالبِنْيَوِيَّةِ» شَغَلَتْهُ، حِينًا مِّنَ الدَّهْرِ عنْ صَنْعَتِهِ، فأَنْشَأَ يَسْأَلُ أَهْلَ الذِّكْرِ عنْ هذهِ «البِنْيَوِيَّةِ»: ما تَكُونُ؟ وكانَ سُؤَالُهُ عنْها مَوْضِعَ الطَّرَافَةِ والغَرَابَةِ. أَمَّا العالِمُ الْجَلِيلُ فَهُوَ عَلَّامَةُ الْجزيرةِ العَرَبِيَّةِ الشَّيْخُ حمد الْجاسِر، وأَمَّا مَحَلُّ عِنايَتِهِ بِـ «البِنْيَوِيَّةِ» فمَجَلَّتُهُ العريقةُ العَرَبُ، وكانَ مِنْ نَبَأِ ذلكَ أنْ بَلَغَ الشَّيْخَ شَيْءٌ مِّنْ غُبَارِ الخُصُومةِ العنيفةِ الَّتي أَذْكاها كِتابُ الخَطِيئَةِ والتَّكْفِيرِ للدُّكتور عبد الله الغذَّاميِّ = وشُيُوعُ طائِفةٍ مِّنَ الكَلِمِ الْحَدَاثِيِّ الْجديدِ، فأَحَبَّ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ أن يَجْلُوَ حقيقةَ هذهِ الَّتي تُسَمَّى «بِنْيَوِيَّةً»، وقَيَّدَتْ مَجَلَّتُهُ العَرَبُ طَرَفًا مِّنْ تاريخِها في المملكةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُوديَّةِ.